الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني

83

مناهل العرفان في علوم القرآن

التي قدّرها بعضهم بأربعين يوما ، وأنت إذا قرأتها لن تجد فرقا بين أسلوبها وأسلوب كثرة القرآن الغامرة التي نزلت مباغتة مفاجأة . وهذا الذي يقال في القرآن ؛ يقال مثله في الحديث النبوي . فمنه ما كان وليد التفكير والتدبير والمشاورة والمداولة ، كحديثه صلّى اللّه عليه وسلّم في شؤون الحرب والصلح ، ومنه ما كان وحى الساعة وإرسال البديهة ، كحديثه الكثير فيما هو ظاهر من أمور الدين . ومنه ما كان وحى اللّه إليه يهبط به الأمين جبريل ، كحديث المعتمر المتضمّخ بالطيب ، وقد جاء النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يسأله عن طيبه في عمرته هذه . فسكت النبىّ صلّى اللّه عليه وسلّم ساعة حتى جاءه الوحي ، ولمّا سرّى عنه قال : أين السّائل عن العمرة فجىء به ، فقال عليه الصلاة والسلام : « أمّا الطّيب الذي بك فاغسله ثلاث مرات . وأمّا الجبّة فانزعها واصنع في عمرتك ما تصنع في حجّك » . رواه الشيخان . نعرف هذه الظروف المختلفة لأحاديث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . ولكنها مع اختلافها لم يختلف فيها الأسلوب النبوي ، بل هو طراز واحد من أرقى الأساليب البشرية إن لم يكن أرقاها ، وقلّما تلحظ فيه تفاوتا كثيرا . لا فرق في ذلك بين ما أرسله على البديهة ، وما أجال فيه الرأي والاستشارة ، وما نزل به وحى السّنّة ، وما احتفل به احتفالا ممتازا ، بالمواقف المشهودة ، والمجامع المحشودة . إذن هما نمطان متمايزان لا يشتبهان : نمط القرآن كله ونمط الحديث كله لكلّ منهما مسحة وبيان ودرجة في الفوق والسبق ، بينها وبين الأخرى بعد ما بين شأني الخالق والخلق ، وفرق ما بين مكانتى السيّد والعبد ، فالقرآن يمتاز بمسحة بلاغية خاصّة ، وطابع بيانىّ فريد ، لا يترك بابا لأن يلتبس بغيره أو يشتبه بسواه ، ولا يعطى الفرصة لأحد أن بعارضه أو يحوم حول حماه من خاصمه خصم ، ومن عارضه قصم ، ومن حاربه هزم . الحديث الشريف فهو وإن حلّق في جوّ الفصاحة ، وسما في جملته